اسماعيل بن محمد القونوي

303

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الباطل ولك أن تقول إن هذه الجملة أيضا لبيان كفرهم لكن لا على الوجه الذي زعمه المعتزلة بل لأنهم لما أرادوا بهذا القول إن عبادتهم الملائكة حق مرضي مشروع لأنه لو لم يكن كذلك لم يشأ اللّه تعالى عبادتنا إياهم واعتقاد حقية عبادة غير اللّه تعالى كفر فيحصل اتساق الجهل بهذا الوجه مع بطلان ما زعمه المعتزلة قوله : فاستدلوا بنفي مشيئة الخ إشارة إلى أن لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ [ الزخرف : 20 ] الآية من قبيل قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] فلو لانتفاء « 1 » الأول لانتفاء الثاني لا بالعكس . قوله : ( يتمحلون تمحلا باطلا ) معنى يخرصون أصل معنى الخرص كما قاله الراغب معرفة القدر بطريق التخمين ثم اطلق على الكذب لأن التمحل والمماحلة المجادلة قد يكون صوابا ولذا قيد بباطلا . قوله : ( ويجوز أن يكون الإشارة إلى أصل الدعوى ) وهو جعل الملائكة بنات اللّه فلا يتم ما ذكره الزمخشري لأن ما ذكره « 2 » بناء على كون الإشارة إلى تعليق عبادتهم الملائكة بمشيئته تعالى فرده المص أولا بما ذكره من أن الإشارة إلى استدلالهم المذكور ورده ثانيا بأنه يجوز أن تكون الإشارة إلى أصل الدعوى وما له منع كون الإشارة إلى ما لهم به من علم فيلزم المنع بعد التسليم ويأبى عنه الذوق السليم فالأولى تقديم هذا الاحتمال فبطل مذهب الزمخشري لأنه بناء على كون الإشارة إلى هذا القول كما عرفته من أن هذا القول يستلزم القول بأن عبادتهم الملائكة بمشيئة اللّه تعالى وهو ليس كذلك بناء على زعمهم . قوله : ( كأنه لما أبدى وجوه فسادها وحكى شبهتهم المزيفة نفى ) أي أظهرها بقوله : الإبطال عن المذكور عقيبه إلى كلام متقدم عليه غاية البعد وقوله هذا رد لكلام الزجاج حيث قال إن قوله : وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ [ الزخرف : 20 ] عائد إلى قولهم : الملائكة بنات اللّه لا إلى قولهم : لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [ الزخرف : 20 ] وهو الذي أورده صاحب الكشاف على نفسه سؤالا وأجاب بأنه تمحل مبطل وتحريف مكابر ويمكن تصحيح قول الزجاج وهو أن قوله مالهم بذلك من علم عائد إلى قولهم الملائكة بنات اللّه لا إلى قولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم وذلك بأن يجعل لو شاء الرحمن ما عبدناهم جوابا لما تضمنت تلك الآيات من معنى الإنكار والاحتجاج عليهم بعبادة الملائكة فيكون قولهم هذا إشارة إلى انخزالهم وانقطاعهم ودلالة على أن الحجة قد بهرتهم ولم يبق لهم متشبث إلا هذا القول كما هو ديدن المحجوجين وقد مر في الأنعام من هذا النوع نبذ وقريب من هذا قول القاضي كأنه لما أبدى وجوه فساد أقوالهم وحكى شبهتهم المزيفة نفى أن يكون لهم بها علم أي نفى أن يكون لهم بها علم من طريق العقل بقوله وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ وجه تخصيص العلم في قوله : وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ [ الزخرف : 20 ] بالعلم الحاصل من طريق العقل هو وقوعه في مقابلة طريق النقل أعني قوله أم اتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون .

--> ( 1 ) ثم ادعوا أنه تعالى شاء عبادتهم الملائكة فاستدلوا بذلك على أن تلك العبادة حسنا مرضيا عند اللّه تعالى وإلا لما أصروا عليه فرده اللّه تعالى بقوله : ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ كما بينه المص . ( 2 ) وبهذا يندفع إشكال السعدي .